الرئيسة  |  الموقع الإسلامي                                                          

الغني المماطل

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

سبحان الله خالق الخلق وهو أعلم بخلقه وبما يكون في نفوسهم وأفكارهم وأعمالهم.. فأوحى إلى عبده ورسوله محمد صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم أن يقول: «مَطلُ الغني ظلم»[1]. ولم يقل: مطل الفقير ظلم. لأن المماطلة في أداء الحقوق للآخرين لا تتأتى إلا من الأغنياء.

فالفقير يؤدي ما عليه من حقوق أولاً بأول، أما الغني فديدنه المماطلة والتسويف، وقد أخبرنا النبي أن أحد الثلاثة الذين يبغضهم الله هو «الغني الظلوم»[2] وهو الذي أنعم الله عليه بالمال الكثير وجعله غنيًا فأبى إلا الظلم. فهو يظلم نفسه بامتناعه عن دفع الزكاة المتوجبة عليه وذلك بخلاً وشحًا وطمعًا. وهو يظلم الناس بمماطلته الأيام تلو الأيام فلا يؤدي ما عليه إلا بعد جهدٍ جهيد وبعد الوعود تلو الوعود، لا بل أنه مع كثرة مطالبته والتذلل له بدفع ما عليه من حقوق، يقوم بتسديدها منقوصة في بعض الحالات! وقد قال النبي : «يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم . خمسمائة عام»[3].

وقد مررت بعدة تجارب من هذا النوع مع عدد من الأغنياء، سأذكر بعضها هنا وربما يكون فيها الآن تسلية، أما في وقتها فإن مماطلة الغني بدفع ما عليه من مال يثير غضب صاحب الحق ويرفع ضغطه ويغلي الدم في عروقه، بل - وهذا ما لا يعرفه الغني المماطل ولا يشعر به - أن مماطلته تنتزع الدعاء عليه من صاحب الحق انتزاعًا، وتجعل صاحب الحق مضطرًا إلى الدعاء عليه، أو الكلام عنه بسوء بسبب شعوره بالظلم، كما قال الله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}[4]. وفي تفسير ابن كثير عن ابن عباس قال: ((لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلومًا، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}، وإن صبر فهو خير له)). وعن مجاهد قال: ((ضاف رجل رجلاً فلم يؤدِّ إليه حقّ ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: (ضفت فلانًا فلم يؤدِّ إليَّ حق ضيافتي). فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، حين لم يؤدِّ الآخر إليه حق ضيافته)). فإذا كان الأمر هكذا في ضيافة، فما بالك بما هو أعظم من الضيافة من الحقوق المالية المستحقة للآخرين؟!

فبحكم مهنتي مدرب كاراتيه فهناك رسوم اشتراك شهري لمن يطلب درس خاص في بيته، وفي أحد الدروس الخاصة لأبناء أحد الأشخاص، لم يدفع الأب اشتراك الشهر ودخلنا في الشهر الثاني، فكنت أطلب من الأبناء أثناء الدرس أن يقوموا بتذكير أباهم بالاشتراك، ثم في الدرس التالي يخبرونني بأن أباهم قال لهم: طيب. وعلى هذا المنوال تراكمت أربعة أشهر، ولما قام بتحويل الاشتراكات وجدتها منقوصة شهرًا واحدًا. وههنا تظهر علة أخرى وهي أن الغني يماطل ويماطل ثم إذا دفع المبلغ يدفعه منقوصًا لعلك تعود إليه مجددًا وترجوه وتتذلل له أن يكمل المبلغ!

وحصلت حالات مشابهة يتفاوت فيها عدد الأشهر المستحقة، وأصبحت أعرف مقدمًا ما الذي سوف يحدث فيما بعد المماطلة، وهو نقصان المبلغ. وكأن بعض الأغنياء مبرمجين على المماطلة فإذا سددوا المبلغ سددوه ناقصًا.

وفي حالة أخرى استحق لي اشتراك شهر عن تدريب أطفال أحد الأغنياء ثم توقف التدريب ولم يسلمني الاشتراك، وظللت اتصل به أيامًا كثيرة وأطالبه بالاشتراك، وفي كل اتصال يقول بأنه ينتظر تسلم مبلغًا كبيرًا من هذا الرجل أو ذاك وبعدها سيسدد لي، حتى أنني في آخر اتصال قلت له: يا أبا فلان! كل الذي أطلبه منك هو مبلغ صغير لو أدخلت يدك في جيبك لوجدته؛ فكانت كلمتي هذه كأنها وعاء ماء وأفرغته على وجه النائم فانتفض مستيقظًا، ولهذا قال لي مباشرة: تعال عندي بعد المغرب وخذه، وبالفعل ذهبت وتسلمت المبلغ؛ إذَا لماذا كانت كل تلك المماطلة الطويلة ما دام المبلغ صغيرًا وكان بحوزته كما ذكرت له؟!

ليس باستطاعتي تحديد أو حصر الأسباب الكامنة وراء مماطلة الغني، ولكن تحليلي يقول إن المال قوة، وأن الغني بالمال يشعر بالقوة؛ ولهذا فإن أحد الأفعال التي تجعله يرضي نفسه ويسعدها ويثبت لنفسه مكانته الفوقية على الشخص المطالب له بحقوقه هي المماطلة والتسويف حتى يجعله يطالب مرات ومرات ويتذلل له ويرجوه أن يدفع له. أما الفقير فليس لديه هذه القوة حتى يستخدمها بواسطة المماطلة؛ ولذلك الحديث الشريف خاص بالغني المماطل وليس بالفقير.

ولا بد من التأكيد بأن هذا الكلام ليس عامًا على كل الأغنياء، بل على بعضهم، وإلا فهناك بعض الأغنياء الكرماء والأوفياء بالعقود ودفع المستحقات في موعدها، وتسديد ما عليهم من مال أو أجرة إلى أصحابها.

إن أي أجور أو رواتب إذا لم تسدد في وقتها لمستحقيها تتحول إلى دَين ومخالفة لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[5]. فأي رجل عليه دَين لو علم بما سيترتب عليه لو مات وعليه هذا الدَّين لبادر فورًا لتسديد دينه، وفي حال كان الدَين كبيرًا ولا يوجد سيولة لتسديده وكان لديه عقار أو أشياء يمكن بيعها؛ فإن بيعها وتسديد دَينه أفضل لدنياه وآخرته، وأفضل من أن يترك هذا العقار أو الأشياء لورثته فتكون الفائدة لهم والضرر والعاقبة السيئة عليه، كما أخبر النبي : «سبحان الله ماذا أُنزِل من التَّشديد في الدَّين، والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قُتِلَ في سبيل الله ثم أُحْييَ ثم قُتِلَ ثم أُحْييَ ثم قُتِلَ وعليه دَينٌ ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه دَينُه»[6].

ولهذا فقد تكررت معي مواقف كثيرة متشابهة أتفادى فيها الدَّين ولو كان ريالاً واحدًا أو عدة ريالات وذلك حين أعطي البائع ورقة نقدية كبيرة فيقول بأن ليس لديه صرف ويمكنني أن أسدد في المرة القادمة، فأذهب إلى بقالة قريبة وأشتري شيئًا من أجل أن يصرف لي الورقة النقدية، ثم أعود إلى المحل الأول وأعطيه المبلغ فيتعجب ويقول: لما العجلة يمكن أن تسدد في المرة القادمة فأقول: وإذا مت؟ فيقول: نسامحك. فأقول: وإذا لم تعرف أنني مت؟! يعني أن الدين يبقى في ذمتي. ولأجل التشديد في مسألة الدَّين أنزل الله عزَّ وجلَّ آية طويلة هي: آية الدَّين، فصَّل الله فيها كيفية التعامل بالدَّين وأن يكون مكتوبًا مع وجود شهود وأمور أخرى.

ومسألة الدَّين مسألة خطيرة جدًا ليس بما سيحدث بعد الموت فحسب بل لما قد يحدث في الحياة أيضًا، فكم سمعنا عن جرائم قتل ارتكبت بسبب الدَّين! وغالبًا يقوم الذي عليه الدَّين بقتل من فعل معه خيرًا وأقرضه المال أو استحق له مبالغ على القاتل؛ ظنًا من القاتل أنه بالتخلص من صاحب الدَّين يتخلص من الدَّين نفسه أو من المبالغ التي استحقت عليه، ولكنه في الحقيقة يضيف على نفسه عقوبة أخرى في الدنيا والآخرة هي عقوبة جريمة القتل إضافة إلى عاقبة إذا مات وعليه دَين.

من ناحية أخرى فإن النبي قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرقه»[7]. وكما ذكرت في البداية فإن الله خالق الخلق وهو أعلم بخلقه وبما يجول في نفوسهم وعقولهم إذا تأخر تسلمهم لأجرتهم أو رواتبهم فأوحى لنبيه ورسوله أن يقول هذا الحديث؛ وذلك من أجل أن يتجنب الناس تأخير دفع الأجور؛ لأن تأخيرها ينعكس سلبًا على الأجير والموظف، فتحدث له تلقائيًا هواجس وأفكار حتى في حال عدم حاجته الضرورية للأجرة الحالية في حال وجود مال لديه، وينعكس ذلك سلبًا على أدائه في العمل فيفتر حماسه وتقل رغبته في العمل على عكس ما يحدث لو تسلم أجرته في موعدها المحدد أو حتى قبل ذلك.

فالموظف مثلاً يتساءل بأنه يلتزم بدوام عمله ثلاثين يومًا في الشهر، فلماذا لا يكون هناك بالمقابل التزام واحد من صاحب العمل وهو موعد دفع الراتب أو الأجرة، ولماذا التأخير الذي لا داعٍ له؟! وهذا التساؤل يخطر على بال كل شخص ينجز عمله ولا يتسلم أجرته مباشرة عند الانتهاء منها، وربما يضطر إلى المطالبة ويعاني من المماطلة والتسويف.

وفي حال تراكمت الأجور المستحقة لعدة أشهر ولم تسدد للعمال أو للموظفين أو للخادم أو للخادمة وغيرهم؛ فإن لهذا أيضًا عاقبة وخيمة جدًا؛ وقد نتج عن ذلك حوادث مؤسفة كثيرة مثل مظاهرات واحتجاجات وتخلل بعضها إتلاف أو حرق لمكاتب أصحاب العمل أو الشركات من قبل العمال أو الموظفين الذين يطالبون بأجورهم.

وعلى الصعيد الفردي حدثت جرائم قتل لصاحب أو صاحبة العمل من قبل العامل أو الخادمة، وكذلك حدثت حالات انتحار لخادمات البيوت اللاتي يتعرضن لضغوط تفوق الوصف؛ حيث تعمل الخادمة ليلاً ونهارًا دون راحة إضافة إلى سوء المعاملة من أصحاب البيت ولا يدفعون رواتبها لعدة أشهر، وفي الوقت نفسه تطالبها أسرتها في بلدها باستمرار بتحويل راتبها إليهم للحاجة الشديدة إلى المال الذي كان في الأصل السبب في سفرها وبُعدها عن أسرتها والعمل في بلد آخر.

فلكل فعل إجابي وجيد رد فعل إيجابي وجيد، والعكس صحيح حيث لكل فعل سلبي أو سيئ رد فعل سلبي وسيئ.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

عدنان الطَرشَة


[1] البخاري ومسلم.

[2] مسند أحمد 21393.

[3] صحيح سنن ابن ماجة 4122.

[4] سورة النساء: 148.

[5] سورة المائدة: 1.

[6] صحيح الجامع 3600.

[7] صحيح سنن ابن ماجة 1980.

تنزيل المقال pdf