الرئيسة  |  الموقع الإسلامي                                                          

ذِكْرُ الله عزَّ وجلَّ

--------------

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أحب الأعمال إلى الله أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله))[1]. قال الطيبي: رطوبة اللسان عبارة عن سهولة جريانه، كما أن يبسه، عبارة عن ضده، ثم إن جريان اللسان عبارة عن مداومة الذكر.

ذكر الله[2]:

أصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له. وسُمِّي الذكر باللسان ذكرًا لأنه دلالة على الذكر القلبي؛ غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم. والمراد ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات.

وقيل: الذكر هو الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات وهي ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخيري الدنيا والآخرة، ويطلق ذكر الله أيضًا ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة، ثم الذكر يقع تارة باللسان ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضاره لمعناه ولكن يشترط ألا يقصد به غير معناه، وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالاً، فإن وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالاً، فإن صحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال.

وقيل: المراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكر بالقلب التفكر في أدلة الذات والصفات وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتى يطلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله، والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة في الطاعات، ومن ثم سمى الله الصلاة ذكرًا فقال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ[3].

وقيل: ذكر الله تعالى ضربان: ذكر بالقلب وذكر باللسان. وذكر القلب نوعان: أحدهما وهو أرفع الأذكار وأجلها الفكر في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سماواته وأرضه. والثاني ذكره بالقلب عند الأمر والنهي فيمتثل ما أمر به ويترك ما نهي عنه ويقف عما أشكل عليه. وأما ذكر اللسان مجردًا فهو أضعف الأذكار ولكن فيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا[4]. أمر الله تعالى عباده بأن يذكروه ويشكروه، ويكثروا من ذلك على ما أنعم به عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب. وأن يشغلوا ألسنتهم في معظم أحوالهم بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير. وجعل تعالى ذلك دون حد لسهولته على العبد. قال مجاهد: وهذه كلمات يقولهن الطاهر والمحدِث والجنب. وقال: لا يكون ذاكرًا لله تعالى كثيرًا حتى يذكره قائمًا وجالسًا ومضطجعًا. ولعظم الأجر فيه قال ابن عباس: إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإن الله تعالى لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على تركه فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ[5] بالليل والنهار، في البر والبحر والجو ، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. فإذا فعلتم ذلك صلَّى عليكم هو وملائكته.

قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخير لكم من أن تَلْقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟)) قالوا: بلى، قال: ((ذِكْرُ الله)). قال معاذ بن جبل: ما شيء أنجى من عذاب الله، من ذكر الله[6].

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ[7]، أي: واذكر ربك في نفسك سرًا وتذللاً وخوفًا من الله تعالى، وأن تسمع نفسك دون غيرك في أوائل النهار وأواخره، ولا تكن من الغافلين عن ذكر الله. المراد الحض على كثرة الذكر من العبد بالغدو والآصال لئلا يكون من الغافلين. قال المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت))[8].

لقد ذكر الله عزَّ وجلَّ الذكر في آيات كثيرة جدًا في القرآن؛ في الأمر به، والنهي عن ضده وهي الغفلة، وتعليق الفلاح بالإكثار منه، والثناء على أهله وحسن جزائهم، وجعل ذكره للذاكر جزاء لذكره له، وأنه أكبر من كل شيء، وختم الأعمال الصالحة به، فختم به عمل الصيام، وختم به الحج، وختم به الصلاة، وختم به الجمعة، وذكر اختصاص الذاكرين بالانتفاع بآياته وهم أولوا الألباب، وذكر مصاحبته لجميع الأعمال واقترانه بها وأنه روحها فإنه سبحانه قرنه بالصلاة والصيام والحج ومناسكه بل هو روح الحج ولُبُّه ومقصوده، وقرنه بالجهاد وأمر بذكره عند ملاقاة الأقران ومكافحة الأعداء.

لهذا، أدعوك أخي المسلم الحبيب إلى المداومة على ذكر الله عزَّ وجلَّ في كل وقت وحين، فقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دائم الذكر لله، فكان عليه الصلاة والسلام يذكر الله على كل أحيانه، وعلى جميع أحواله، وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه، قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه ومسيره، ونزوله وإقامته، ودخوله وخروجه، ونومه واستيقاظه، وصباحه ومسائه، وأكله وشربه وجماعه، ولبسه وخلعه، وعند رؤيته وسماعه، وصحته ومرضه، وهمه وغمه، وسرائه وضرائه، وغير ذلك من الأحيان والأحوال، إذ تقول عائشة رضي الله عنها: ((كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يذكر الله على كل أحيانه))[9]. وقد سن صلَّى الله عليه وسلَّم كل ذلك لأمته من بعده.

فأما ذكر الله باللسان؛ فاللسان نعمة كبرى من الله عزَّ وجلَّ، فجعله عضوًا لحميًا، لا عظم فيه لتسهل حركته، لذا تجده لا يكترث بالحركة ولا يكل ولا يتعب، على عكس بقية الأعضاء التي لو حركتها مثلما تحرك اللسان لم تطق ذلك. وقد خلق الله تعالى هذه المزية باللسان ليكون العبد قادرًا على استعماله بذكر الله على الدوام؛ ولهذا فإن المؤمن الكيس الفطن يمكنه أن يستغل كل فراغ في حياته فيملؤه بذكر الله؛ فعلى سبيل المثال: أثناء المشي، وفي السيارة، وفي أماكن الانتظار، وفي السوق وغيرها من الأماكن التي يمكن فيها ذكر الله بلسانه. وأنواع الذكر التي تشمل نواحي الحياة كثيرة جدًا ويمكن الاطلاع عليها في صفحة الأذكار والأدعية ولكن هذه بعض المختارات من أحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:

((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم))[10]. ((من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة))[11]. ((أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة)) فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: ((يسبح مئة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة))[12]، وفي رواية ((ويحط)) بغير ألف. (( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. في يوم، مئة مرة. كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان، يومه ذلك، حتى يمسي. ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك))[13]. ((من قال سبحان الله وبحمده، في يوم مئة مرة، حطت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر))[14]. ((من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحى عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألـف درجـة))[15]. ((أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بـدأت))[16]. ((لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس))[17]. ((ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ))[18]. ((الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض))[19]. ((أفضل الذِكر: لا إله إلا الله))[20]. ولا ننسى ما للاستغفار من أجر وأهمية إذ يقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة))[21]، فما بالك بمن دونه من الناس الذي لا يسلم من الوقوع في الذنوب والمعاصي؟ ولهذا فقد أفردت موضوعًا خاصًا بالاستغفار ويمكن الاطلاع عليه في صفحة الاستغفار.

وختامًا أسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن ينفع بنا غيرنا من المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

عدنان الطَرشَة


[1] صحيح الجامع الصغير، رقم: 165.

[2] هذا الموضوع منقول من كتاب عدنان الطرشة: «ماذا يحب الله جلَّ جلاله وماذا يبغض»، والمراجع التي أشار إليها فيه.

    http://www.adnantarsha.com/books/Allah.htm

[3] سورة الجمعة، الآية: 9.

[4] سورة الأحزاب، الآية: 41.

[5] سورة النساء، الآية: 103.

[6] صحيح سنن الترمذي، رقم: 2688.

[7] سورة الأعراف، الآية: 205.

[8] أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله عزَّ وجلَّ.

[9] أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب هل يتتبع المؤذن فاه ها هنا وها هنا، وهل يلتفت في الأذان؟.

[10] أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب إذا قال والله لا أتكلم اليوم...

[11] صحيح سنن الترمذي، رقم: 2757.

[12] أخرجه مسلم في كتاب الذكر، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء.

[13] أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده.

[14] أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح.

[15] صحيح سنن الترمذي، رقم: 2726.

[16] أخرجه مسلم في كتاب الآداب، باب بيان ما يستحب من الأسماء.

[17] أخرجه مسلم في كتاب الذكر، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء.

[18] صحيح سنن الترمذي، رقم: 2694.

[19] أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل الضوء.

[20] صحيح سنن الترمذي، رقم: 2694.

[21] أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب: استغفار النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في اليوم والليلة.