الرئيسة  |  الموقع الإسلامي                                                          

عقوبة العمل بالحرام

-------------------

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

عقوبة العمل بالحرام[1]:

قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: ((أيها الناس! اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حلَّ، ودعوا ما حَرُمَ))[2].

لقد نهى الإسلام عن كل عمل أو بيع حرام خبيث أو فيه شيء من الإثم؛ لأن العمل الحرام وإن كان ظاهره كسب المال إلا أنه سيؤول إلى خسارة عاجلاً أم آجلاً؛ لأن الإسلام حين ينهى عن العمل الحرام فلأجل اجتناب النتائج السيئة التي رتبها الله على الحرام، وتطال المال الحرام المكتسب إما بهلاكه أو بضياعه أو بخسارته أو بصرفه على مصائب وأمراض وبلاء أو نحو ذلك، وهذا في الدنيا فقط، فإذا صار إلى الآخرة وجد الخسران الأعظم الذي لا يقارن بما خسره من مال في الدنيا، فيعاقبه الله بالنار جزاءً وفاقًا لما اقترفه في الدنيا من العمل الحرام.

وقد أخبرنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن كل لحم نشأ من أكل الحرام فالنار أولى به؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((إنه لا يربو لحم نبت من سُحت، إلا كانت النار أولى به))[3]، ولهذا عندما يأمر الله تعالى بالإنفاق في سبيل الله فإنه عزَّ وجلَّ يأمر أن يكون المال من الحلال الطيب؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ[4]؛ فحتى لو أنفق آكل الحرام مالاً كثيرًا في وجوه البر والإحسان، وتصدق على الفقراء والمساكين من ماله الحرام؛ فإن الله جلَّ جلاله لا يقبله منه؛ لأنه طيب ولا يقبل إلا طيبًا، حتى الدعاء؛ فكيف يستجيب الله دعاء من يأكل الحرام؟!.

قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ[5] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ[6]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذيَ بالحرام؛ فأنَّى يُستجاب لذلك؟))[7]؛ فالنبي صلَّى الله عليه وسلَّم يحث على الإنفاق من الحلال وينهى عن الإنفاق من غيره، ويبلغ عليه الصلاة والسلام الناس بأنه من أين وكيف يُستجاب دعاء من كان مأكوله ومشروبه وملبوسه ونحو ذلك من حاجات ولوازم الإنسان في هذه الحياة حرامًا؟! وقد تنبأ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بأمر لم يكن في زمنه وحذَّر من فتنة المال، فقال عليه الصلاة والسلام: ((يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام))[8].

فيجب على كل من يحرص على عدم الوقوع في خسارة لماله أن يجتنب كل عمل أو تجارة أو بيع فيه حرام وإثم؛ وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم عن أطيب الكسب إنه ((كل بيع مبرور))[9]، أي؛ كل بيع حلال لا غش فيه ولا خيانة، ولا محرم ولا مكروه. وقد حرَّم الإسلام أعمالاً ومعاملات وبيوع معينة يجب عدم العمل بها حتى لا يقع الإنسان في الحرام، ومن ثَم يخسر المال ويستحق عقاب الله؛ ومن هذه الأعمال والمعاملات والبيوع:

- الحلف في البيع: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إياكم وكثرة الحَلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق))[10]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((الحَلِفُ مَنْفَقة للسلعة، ممحقة للبركة))[11]. فالحلف قد يبيع السلعة إلا أنه قد ينقص أو يمحو أو يبطل بركة الربح، إما بخسارة تلحقه في ماله، بأن يسلط الله تعالى عليه وجوهًا يتلف فيها ماله: إما سرقة أو حرقًا أو غصبًا، أو ينفقها على العلاج من أمراض تصيبه أو تصيب أحدًا من أهله وأولاده، أو بإنفاقه في غير ما يعود نفعه إليه في العاجل أو ثوابه في الآجل، أو بقي عنده وحرم نفعه، أو ورثه من لا يحمده، أو غير ذلك مما شاء الله تعالى، لأن الله عزَّ وجلَّ يبغض التاجر والبيَّاع الحلَّاف؛ كما أخبر بذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أربعة يبغضهم الله تعالى: البيـاع الحـلاف...))[12]. والتاجر أو البائع الذي يبغضه الله تعالى لا يمكن أن يوفق في عمله أو ينجح فيه، ولا يمكن أن يبارك الله عزَّ وجلَّ في رزقه حتى وإن أنفق ما عنده من السلع بالحلف، لأن هذه هي سنة الله في خلقه.

والمراد بهذا الحلف الصادق وهو مكروه من غير حاجة، فإن كان الحلف كذبًا فهو محرم وحال صاحبه سيئة جدًا في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[13]، فهؤلاء يحلفون كذبًا ليكسبوا مبالغ زهيدة ودراهم معدودة؛ وقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحَلف الكاذب))[14].

- التطفيف في الوزن: قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ . الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ . وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ[15]. المطففون هم الذين إذا اشتروا واكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل وأخذوا الزيادة، وإذا باعوا وكالوا للناس ووزنوا لهم انقصوا الوزن؛ وكل ذلك ليس إلا من أجل كسب طفيف ولهذا سمُّوا بالمطففين، وقد توعدهم الله بهذا الوعيد العظيم فقال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[16]، ففي هذا الإنكار والتعجب وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصف ذاته برب العالمين، بيان بليغ لعظم الذنب، وتفاقم الإثم في التطفيف.

لقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[17]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ[18]، وقد أمر الله تعالى شعيبًا عليه السلام أن ينهى قومه عن نقصان الميزان فقال تعالى حكاية عنه: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ[19]، وأمره تعالى أن يدعوهم إلى الوفاء في المكيال والميزان وعدم الإفساد في الأرض: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ[20]. وقد أهلك الله تعالى قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال.

فمن الواجب على البائع تجنب التطفيف في الوزن ولا يظن أن أمره هينًا بل هو عند الله عظيم، وأن يوفي البائع الكيل والميزان حتى لا ينـزل به عذاب الله عزَّ وجلَّ. وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((خمس إذا ابتُليتُم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن:... ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أُخِذوا بالسنين، وشدة المؤونة وجَور السلطان عليهم))[21].

- الغش في البيع: عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: ((مرَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم برجل يبيع طعامًا، فأدخل يده فيه، فإذا هو مغشوش، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ليس منا من غش))[22]. وعنه أيضًا: ((أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مرَّ على صُبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فقال: ((ما هذا يا صاحب الطعام؟)) قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: ((أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني))[23]. فالبائع الذي يحرص على ألا يراه الزبون وهو يغش سلعته ينسى أن الله تعالى يراه، وهو الرقيب الحسيب وعلى كل شيء شهيد، وسيجازيه على غشه بما يناسبه من الخسارة في الدنيا والآخرة.

وكذلك الذي يبيع سلعة فيها عيب ولا يبين للمشتري هذا العيب فهو غاش له ولا يحل له ذلك؛ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بيَّنه له))[24]، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن غش البائع وكذبه يمحق بركة بيعه؛ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا؛ فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحِقت بركة بيعهما))[25].

- أخذ الرشوة: إن الرشوة من المعاملات التي حرمها الشرع، وهي سبب لمحق المال وخسارته وربما خسارة العمل؛ وقد لعن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم الراشي والمرتشي فقال عليه الصلاة والسلام: ((لعنة الله على الراشي والمرتشي))[26]، أي؛ معطي الرشوة وآخذها؛ فما بالك بملعون من الله تعالى، هل سيبارك الله في رزقه ويزيد ماله أم العكس؟!.

فالعامل لا يجوز له أن يأخذ الرشوة مقابل استغلال وظيفته، وهو لو جلس في بيته لما رشاه أحد، وإنما ذلك يكون من أجل استغلال موقعه ومنصبه في العمل ليحق باطلاً أو ليبطل حقًا ونحو ذلك، ومن يفعل ذلك فهو ملعون من الله عزَّ وجلَّ، وربما بلغت الرشوة به الكفر، قال مسروق: القاضي إذا أكل الهدية فقد أكل السحت، وإذا قبل الرشوة بلغت به الكفر.

حتى الهدية فلا يجوز للعامل أو الموظف أن يأخذها لمجرد أنه يشغل هذا المنصب، وقد استعمل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً من بني أسد يقال له ابن الأتبية على صدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أُهديَ لي. فقام النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على المنبر - قال سفيان أيضًا: فصعد المنبر - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لك وهذا لي، فهلاَّ جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَر)) - ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه - ((ألا هل بلغت؟)) ثلاثًا))[27]. ففي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال والموظفين حرام وغلول؛ لأنه خان عمله ووظيفته وأمانته، ولا يمكن أن يبارك الله في الدنيا في رزق خائن يغل ويأكل الحرام، أما في الآخرة فمصيره كما ذكر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من أنه لا يغل ولا يأخذ شيئًا بطريق الحرام إلا حمله على رقبته؛ فيالها من خسارة عظيمة، ويالها من فضيحة كبرى أمام جميع الناس.

- التلهي بالمال والعمل عن العبادات: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ[28].

ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن أن تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله والعبادات وأهمها الصلاة؛ وهددهم وتوعدهم بأن من تشغلهم أموالهم أو أولادهم عن ذكره تعالى فإنهم هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[29]؛ يأمر الله - تبارك وتعالى - المؤمنين بالسعي إلى ذكر الله وصلاة الجمعة وترك البيع وأن ذلك خير لهم في الدنيا والآخرة إن كانوا يعلمون. فقد منع الله البيع وحرَّمه في وقت صلاة الجمعة على من كانت فرضًا عليه، وخص الله تعالى البيع، لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق عند صلاة الجمعة.

إن كل عمل يلهي عن عبادة الله يصير حرامًا، وكيف يريد الإنسان الرزق من الله وهو يلهى به عن عبادته؟! فالبيع نفسه أيضًا يمكن أن يصير حرامًا إذا لم يستجب البائع لنداء صلاة الجمعة؛ ولهذا أمر الله تعالى بترك البيع والسعي إلى ذكر الله إذا نادى المؤذن لصلاة الجمعة، وذم الله عزَّ وجلَّ الذين يقدمون التجارة والبيع على ذكر الله تعالى وطلب العلم الشرعي، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[30]، أي؛ إن ما عند الله تعالى من ثواب صلاتكم خير من أموال تجارتكم، والله خير من رزق وأعطى لمن توكل عليه وطلب الرزق في وقته؛ فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة.

قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((من تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديته هلك))[31]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((يقول الله سبحانه: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي، أملأ صدرك غنىً، وأسُدَّ فقرك. وإن لم تفعل، ملأت صدرك شُغلاً، ولم أسُدَّ فقرك))[32]. إن أعمال الإنسان لا تنتهي، وجميع أصحاب القبور لم تنته أعمالهم وماتوا ولم يحصلوا من الدنيا إلا على ما كتبه الله تعالى لهم من الرزق، بالرغم من كل الحرص والسعي والحركة الدائمة التي أخذت معظم وقتهم وأشغلتهم عن عبادة ربهم، وألهتهم عن الصلاة والطاعات لأجل أن يجمعوا من المال أكثر مما رزقهم الله عزَّ وجلَّ، كما أخبر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((من كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له))[33].

وهكذا الذين تلهيهم أعمالهم عن الصلاة والعبادات الأخرى؛ فلا أعمالهم انتهت ولا هم أطاعوا خالقهم بأداء الصلاة وحصلوا على اطمئنان القلب، فصار لزامًا أن يجدوا عكس ذلك وهو ما توعد الله به من يعرضون عن ذكره؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى . وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى[34].

فالذي يعرض عن العمل بدين الله وعن الذكر والصلاة ويقدم عمل الدنيا على ذلك فإن له عيشًا ضنكًا في هذه الحياة، لأن الحرص مستول عليه ولا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا فيصير عيشه ضنك، ورزقه مشوش، وحاله مظلمة، لا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء من الملابس الجميلة، وأكل ما شاء من المطاعم والمشارب اللذيذة، وسكن حيث شاء في البيوت الواسعة والقصور المنيفة، وركب ما شاء من السيارات الفخمة الثمينة؛ فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة، ثم له في الآخرة من العذاب ما هو أفظع وأشد من المعيشة الضنك التي عاشها في الدنيا، وهو أبقى ويدوم أبد الآباد، أعاذنا الله من ذلك.

وختامًا أسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن ينفع بنا غيرنا من المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

عدنان الطَرشَة


[1] هذا الموضوع منقول من كتاب عدنان الطرشة: «أنت والمال»، والمراجع التي أشار إليها فيه. www.adnantarsha.com

[2] صحيح سنن ابن ماجه، رقم: 1743.

[3] صحيح سنن الترمذي، رقم: 501.

[4] سورة البقرة، الآية: 267.

[5] سورة المؤمنون، الآية: 51.

[6] سورة البقرة، الآية: 172.

[7] أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب: الحث على الصدقة وأنواعها وأنها حجاب من النار.

[8] أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب: من لم يبال من حيث كسب المال.

[9] مسند أحمد، رقم: 17198، وقال حمزة أحمد الزين: إسناده صحيح.

[10] أخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب: النهي عن الحلف في البيع.

[11] أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ.

[12] صحيح الجامع الصغير، رقم: 880.

[13] سورة آل عمران، الآية: 77.

[14] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف.

[15] سورة المطففين، الآيات: 1-3.

[16] سورة المطففين، الآيات: 4-6.

[17] سورة الإسراء، الآية: 35.

[18] سورة الرحمن، الآية: 9.

[19] سورة هود، الآية: 84.

[20] سورة هود، الآية: 85.

[21] صحيح سنن ابن ماجه، رقم: 3246.

[22] صحيح سنن ابن ماجه، رقم: 1809.

[23] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم من غشنا فليس منا.

[24] صحيح الجامع الصغير، رقم: 6705.

[25] أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)).

[26] صحيح سنن ابن ماجه، رقم: 1871.

[27] البخاري في كتاب الأحكام، باب: هدايا العمال.

[28] سورة المنافقون، الآية: 9.

[29] سورة الجمعة، الآية: 9.

[30] سورة الجمعة، الآية: 11.

[31] صحيح سنن ابن ماجه، رقم: 3314.

[32] صحيح سنن ابن ماجه، رقم: 3315.

[33] صحيح سنن ابن ماجه، رقم: 3313.

[34] سورة طه، الآيات: 124-127.