الرئيسة  |  الموقع الإسلامي                                                          

المكر

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ[1].

المكْر: الاحتيالُ والخَدِيعَة. وهو إرادة الماكر فعل السوء والأذى بالممكور به الذي لم يعلم بما يخبئه له الماكر وهو آمن في نفسه من سوءٍ يأتي من الماكر ولا يحتسب أذى أبدًا، وينجح الماكر في مكره إذا فجأ الممكور به. والمكر السيئ أشد خبثًا وأنكى أثرًا في الممكور به.

إن الجبال من مخلوقات الله العظيمة التي ذكرت وظيفتها الجليلة في كتاب الله كثيرًا، والجبال من عظم خلقتها فإنها لا تلقي بالاً لمن ارتقى سفوحها من خلق الله، فلا تأبه لحافر يحفر أو راعي يرعى، فالجبال آمنة من كل خلق سوى الله عزَّ وجلَّ ولا تأبه بهم ولا تتوقع منهم الشر ولا السوء ولا تتحسب وتحذر من البشر، فيعبر الله بشدة وسوء وشراسة المكر الذي يصدر من الظالمين تفجأ الجبال فتزيلها وهي التي لم تحتسب منهم أو تتوقع السوء من قبلهم، فانظر كيف هي فجأة الزوال التي تشعر بها الجبال؟ فلا شك أنها فجأة صاعقة عظيمة، فما بالك بالإنسان الحي صاحب القلب والرحمة والعاطفة والأحاسيس الرقيقة فماذا يحصل له؟ إن نبضات قلبه تتسارع، ودمه يغلي ويفور في عروقه، ومزاجه يتكهرب، وصوته يعلو، ونفسه تغضب وربما تخرج عن طورها، وربما يقوم بأفعال لا تُحمد عقباها.. هذا وأكثر منه يحصل له، فكان الله بعون من يتعرض للمكر.

إن شدة المكر وشراسته وآثاره السيئة على النفس البشرية أمر لا يمكن وصفه.. وخير دليل على شدة المكر على النفس البشرية أن معاناته لا تكون من نصيب من يقع عليه مباشرة أو يخصه شخصيًا فحسب بل إن من يسمع ويرى المكر وهو يقع على غيره يعاني منه ويتأثر به أيضًا. فالفطرة السليمة والنفس القويمة تتأثر بالمكر وتعاني منه سواء أكان واقع عليها أم واقع على غيرها؛ لأنها أمر فوق الاحتمال.

أقل المكر أن تتخيل أنك بريء من صفة سيئة ما بل إنك تكره هذه الصفة السيئة وأنت على العكس منها تمامًا، ويأتيك شخص فيتهمك بهذه الصفة ويهاجمك عليها ويرتب أمورًا سيئة عليها قد تؤدي إلى قتلك أو سجنك أو على الأقل تشويه سمعتك بين الناس، وربما يكون الماكر هو المتصف بهذه الصفة في الحقيقة..! فبماذا ستشعر حينئذٍ؟ خاصة أن معظم الناس لديهم قبول سريع وتصديق لما يسمعونه عن أمور سيئة تخص الآخرين ولا ترى حاجة إلى تبين أو تمحص أو بحث عن الحقيقة؛ ولهذا جاء أمر الله تعالى بالتبين والتثبت قبل تصديق الأخبار وقبل إطلاق الأحكام والصفات على الآخرين كأنها صادقة وحقيقية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[2].

بل الأمر يتعدى القبول السريع والتصديق لما يسمعه الناس من أخبار وأمور سيئة عن قوم ما إلى قيامهم بترويج ونشر ذلك على الآخرين، مع أن في ذلك مخالفة صريحة للدين، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا[3]. أي لا تتهم أحدًا أو تخبر عنه بما ليس لك به علم وستكون مسؤولاً عن ذلك يوم القيامة. ويقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»[4]. أي لو حدَّث الإنسان بكل ما يسمعه لصار مروجًا للكذب؛ إذ ليس كل ما يسمعه هو صدق محض بل هناك أيضًا كذب، فإذا حدَّث بكل ما يسمعه حدَّث بالكذب لا محالة. وإذا كان هذا الترويج والنشر قد استخدم فيه وسائل الإعلام والاتصال والإنترنت فأنى للمفترى عليه والممكور به أن يتتبع كل ذلك ليخبر بالحقيقة وليكشف أن ما يقال هو محض افتراء بل هو مكر؟!. هذا إذا سُمح له بذلك ولم يتعرض بعد إلى القتل أو السجن بسبب المكر الذي عُمِل به.

إن رسل الله يكتبون ما يمكر به الماكرون، والله أسرع مكرًا وهو خير الماكرين، فلا يخفى على الله جلَّ جلاله ذلك، فلن يذهب الماكرون بعيدًا فإنها مسألة وقت ثم تقع عليهم سنة الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتحول ويغفل عنها الماكرون وهي أن المكر السيئ إن عاجلاً أو آجلاً سيحيق بهم وتعود النتائج السيئة عليهم، ويكون الفوز والنصر من نصيب الممكور بهم، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا[5].

إن المكر السيئ يحيق بأهله الذين صنعوه، وما كانوا يخططونه لغيرهم يقعون هم فيه على طريقة: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها. لإن الماكر حين يمكر فهو إما لتحقيق منفعة له، وإما لدفع خسارة عنه، وإما لمنع منفعة عن الممكور به، وإما لإيقاع خسارة على الممكور به، إما لأحد هذه الأمور أو لأكثر أو لجميعها؛ وهذا المكر عينه الذي كان الماكر يجتهد فيه ويستعجل وقوعه بالممكور به سينقلب عكسيًا بقدرة الله تبارك وتعالى ويصير مكرًا بنفسه لا بغيره، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ[6]، إذ يكون مكره قد سهل وسارع في عدم تحقق المنفعة له، بل ووقوع الخسارة عليه، وفي الجانب الآخر تحقق المنفعة للممكور به ودفع الخسارة عنه، وحين يرى الماكر أن مكره قد حاق به هو فلا يلومن إلا نفسه، فقد كان عليه أن يعتبر بغيره خاصة بمن هم قبله فينظر كيف عاقبهم الله وكيف كانت عاقبتهم. ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ[7].

وإذا كان المكر السيئ يُفعل بالمؤمنين المسلمين من أجل دينهم فقد توعد الله الماكرين بهم بالتدمير والزوال، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ[8].

فليستبشر الممكور به بذلك وليصبر ولا يحزن على المكر به فالفوز له في نهاية المطاف، وحتى إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة حتمًا، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ[9].  فالله تبارك وتعالى يريدنا أن نتذكر باستمرار الدار الآخرة الباقية وأن نطمع فيها ونفضلها على الدنيا العاجلة الفانية، وهو تعالى يبتلي عباده المؤمنين بأنواع البلاء حتى يطهرهم من الذنوب فيلقونه سبحانه وهم أطهار أنقياء بلا خطايا فيدخلهم الجنة، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة»[10].

وختامًا أسأل الله تعالى أن يكفينا مكر الماكرين وشرهم وأذاهم، وأن يقينا من المكر ويدفعه عنا، وأن يجنبنا عمل المكر بغيرنا، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن ينفع بنا غيرنا من المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

عدنان الطَرشَة


[1] سورة إبراهيم، الآية: 46.

[2] سورة الحجرات، الآية: 6.

[3] سورة الإسراء، الآية: 36.

[4] مسلم 6.

[5] سورة فاطر، الآيتان: 43.

[6] سورة الأنعام، الآية: 123.

[7] سورة فاطر، الآية: 10.

[8] سورة النمل، الآيتان: 50-51.

[9] سورة النحل، الآية: 127.

[10] صحيح سنن الترمذي 1957.