الرئيسة  |  الموقع الإسلامي                                                          

حكاية كلب سبَّب لنفسه القتل بالرصاص

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

سافرت من البلد الذي أقيم فيه إلى مدينتي في لبنان في العطلة الصيفية للمدارس، وقد اعتدت الصلاة في مسجد معين في الحي. فذهبت إلى هذا المسجد لصلاة الفجر، وبعد انتهاء الصلاة التقيت بأخي الذي يصلَّي بالمسجد نفسه، وبعد السلام لاحظت أن لباسه مشقوق ومتسخ فأخبرني أن هناك كلبًا يهاجمه كلما توجه إلى المسجد لصلاة الفجر وقد هاجمه اليوم أيضًا فحاول الهروب منه فتعثر ووقع على الأرض، فسألته عن مكان وجود الكلب فقال بأنه أمام العمارة التي أسكن فيها، فأخبرته بأنني قد مررت للتو من المكان نفسه فلم يهاجمني أي كلب.

قلت لأخي سوف أبحث الآن عن الكلب أمام العمارة وسأطلب منه عدم التعرض لك مرة أخرى، كنت أقول هذا الكلام عن ثقة لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا[1]، ومما جعلني واثقًا هو أن الكلب لم يتعرض لي أثناء ذهابي مما يعني أنه غير مسلط عليَّ وسوف يفهم ما أقول بإذن الله، فكثيرًا ما شاهدنا كلابًا مع أصحابها ينادونها فتأتي ويأمرونها بالجلوس فتجلس أو بالسير فتسير وما إلى ذلك.

عندما وصلنا إلى أمام العمارة التي أسكن فيها نظرت هنا وهناك بحثًا عن الكلب فظهر فجأة وهو واقف على الرصيف أمام محل الملحمة التي في أسفل العمارة وبدأ ينبح وتحرك للوثوب نحونا فصرخت فيه بصوت عالٍ: قف عندك! فوقف بالفعل وكف عن النباح ولكنه أخذ يزمجر بصوت خافت وهو يضغط على فكيه، فطلبت منه عدم التعرض لأخي كلما مر من هنا في طريقه إلى المسجد. ثم واصلنا سيرنا وسط ذهول أخي وتعجبه مما جرى وقال لي بأن الكلب كان يحدق فيه هو طوال الوقت.

في الأيام التالية اكتشفت أن هذا الكلب لا يهاجم أخي فقط بل كل من يمر أمامه في وقت الفجر وساعات الصباح الأولى، فقد كنت أجلس للعمل على الحاسوب في الغرفة التي يوجد فيها شرفة تطل على الشارع وكلما سمعت نباح هذا الكلب أسارع إلى الشرفة لاستطلاع الأمر فأرى الكلب وهو يهاجم شخصًا ما ولا يفرق بين رجل وامرأة، ففي إحدى المرات لما سمعت نباحه وأسرعت إلى الشرفة وجدته يثب يمينًا ويسارًا خلف امرأة ثم وثب للأمام حتى لمس فكه ظهر المرأة. وفي يوم آخر رأيته يهاجم رجلاً عائدًا من المسجد إلى بيته في عمارة أخرى بجانب عمارتنا، ثم وجدت هذا الرجل في الأيام التالية يحمل عصا ليضرب بها الكلب عندما يهاجمه، وهكذا رأيت رجالاً آخرين وقد حملوا العصي في ذهابهم إلى المسجد وعودتهم منه ومن بينهم أخي أيضًا.

وفي أحد الأيام نزلت من بيتي متوجهًا لصلاة الفجر في المسجد ومستغرقًا في قراءة الأذكار وناسيًا وجود الكلب فظهر فجأة في الظلام وهو ينبح فجعلني أجفل فصرخت فيه فتوقف، فصرت في الأمام التالية أعمل حسابه كلما ذهبت لصلاة الفجر لأنه وإن لم يكن يهاجمني إلا أن فجاءة ظهوره ونباحه تروع أي إنسان وتجعله يجفل رغمًا عنه حيث إن من طبيعة الإنسان التأثر والتفاعل مع الحركة الفجائية في الطريق سواء أكانت من كلب أو هرة أو حتى فأر بشكل عام، أو حتى من صرصار بالنسبة للنساء، ولهذا كنت كلما مررت من مكانه المعتاد أبحث عنه فأراه حتى لا أفاجئ بظهوره، فأحيانًا أمر بجانبه وهو مستلقي فلا يتحرك من مكانه أو يكتفي برفع رأسه، فقلت بأنه لعل قد حفظ بطاقتي في ذاكرته وصنفني من الأصدقاء وبطاقتي هي رائحتي لأن الرائحة هي الشيء الأساسي عند الكلب في التعرف على الأشخاص وتصنيفهم إما أصدقاء أو أعداء.

وبالرغم من أنني أعرف بأنه لن يهاجمني إلا أنه تفاديًا لظهوره المفاجئ أمامي في ظلمة الليل كلما ذهبت لصلاة الفجر؛ صرت قبل الخروج من البيت أخرج إلى الشرفة لكي أحدد موقعه أسفل العمارة ثم أنزل وأمر بعيدًا عنه. وأحيانًا أنسى أو لا أراه فأظنه غير موجود ولكنه يظهر أمامي فجأة.

إن تصرفات هذا الكلب وأحداثه اليومية جعلتني أحلل وأبحث عن سببها وعن سبب قيامه بمهاجمة المارة عند صلاة الفجر وساعات الصباح الأولى بالذات. لقد اعتاد هذا الكلب أن يقف أمام محل الملحمة التي في أسفل عمارتنا فتكلمت مع ابن صاحبها واسمه محمد وسألته عما إذا كان هذا الكلب لهم فنفى وقال بأنه ربما يكون لشخص آخر دلني عليه، فسألت ذلك الشخص فنفى وقال بأنه كلب شارع سائب، فسألت محمدًا أيضًا لماذا لا يتصلون بالبلدية لكي تأتي وتأخذه، فقال بأنهم لن يأتوا، وقد أصبح الكثير من الناس يشتكون من هذا الكلب.

في نهار أحد الأيام وأثناء وجودي على الشرفة رأيت شخصًا من الملحمة وقد رمى بعض بقايا اللحم إلى القطط المتجمعة أمام الملحمة فجاء الكلب وصادرها وأكلها والقطط تنظر إليه ولا تستطيع أن تفعل شيئًا؛ فقد آذى هذا الكلب حتى الحيوانات فضلاً عن البشر! ولكن هذا المشهد جعلني أفكر وأحلل.. وفي إحدى المرات سألت محمدًا عما إذا كانوا يرمون اللحم كل يوم لهذا الكلب فأجاب بالإيجاب، فخلصت من تحليلي واستنتجت بأنه بسبب اللحم الذي يأكله الكلب كل يوم من هذه الملحمة فقد تطوع من نفسه ودون طلب من صاحب الملحمة بحراسة المحل عندما يكون مغلقًا في الليل ومن ضمن ذلك وقت صلاة الفجر، خاصة أن الكلب أثناء النهار حين يكون المحل مفتوحًا لا يهاجم أحدًا ولا يُسمع له نباح حتى أنه في أحد الأيام سمعت نباحه في النهار فاستغربت فنظرت من الشرفة فرأيت شخصًا يجر كلبًا آخر وقد مر بجانب هذا الكلب الذي كان مستلقيًا تحت سيارة فظل ينبح بقوة حتى اختفى الكلب الآخر مع صاحبه وكأنه يحذر الكلب الآخر ويقول له: اذهب من هنا فهذه المنطقة تابعة لي وأنا موجود هنا.

بعد هذا الاستنتاج توصلت إلى حل أتفادى فيه الظهور أو النباح المفاجئ لهذا الكلب في الظلام عند مروري من أمامه كل يوم عند الفجر بأن أجعله يقوم على تصنيفي كصديق وذلك بأن أقوم بإطعامه لحمًا أيضًا، فرميت له قطعة لحم أحمر أثناء ذهابي لصلاة الفجر وذلك بعد أن جربت اللحم الأبيض في المرة الأولى فلم يأكله، فأخبرني محمد بأن الكلب لا يحب اللحم الأبيض وهو يفضل اللحم الأحمر.

حضر ابني من السفر ليقضي الإجازة معنا فحذرته من الكلب، وقد أخبرني فيما بعد أن الكلب قد هاجمه بالفعل وحاول الانقضاض عليه من الخلف، إذ سمع وقع أقدام الكلب وهو يجري نحوه من الخلف فالتفت فرأى الكلب وقد قفز في الهواء نحوه فصرخ به كما حكيت له أنني فعلت فنـزل الكلب على الأرض وانسحب. وفي أحد الأيام وعند صلاة الفجر كان أولادي الصغار مستيقظون وكنت قد أخبرتهم بقصة الكلب، فلما سمعوا صوت نباحه خرجوا إلى الشرفة ليتفرجوا عليه وقلت لهم بأنه في مثل هذا الوقت يمر أخي في طريقه إلى المسجد وطلبت منهم أن ينادوني إذا رأوا عمهم قادمًا ففعلوا، فخرجت إلى الشرفة فرأيت أخي يقف بعيدًا على مسافة خمسين مترًا تقريبًا من الكلب وبيده عصا مترددًا في مواصلة سيره من أمام الكلب نحو المسجد فخاطبته وطلبت منه أن يظل في مكانه حتى أنزل إليه، فنـزلت وسرت معه حتى لا يهاجمه الكلب، وظل أولادي يراقبون المشهد من الشرفة ونادوا عليَّ بأن الكلب يسير وراءنا فنظرت خلفي فوجدت الكلب وراءنا بالفعل ولكنه لم يكن يهاجم ولا حتى ينبح.

بعد سفرنا من لبنان بحوالي سنة عدنا إليه لقضاء فصل الصيف أيضًا. وفي أول يوم أذهب فيه لصلاة الفجر في المسجد لم أجد الكلب فسألت محمدًا عنه فقالي لي: أوه..! لقد تسبب الكلب بحوادث كثيرة بعد سفرك، فقد بدأ عدد من الأشخاص يأتون إلينا ويشتكون من الكلب ويحملوننا المسؤولية ظنًا منهم أننا أصحابه، وأضاف محمد أن الكلب قد عض بالفعل أحد الأشخاص فجاء وهددهم بأنه سيرفع دعوى تعويض ضدهم لدى المحكمة، فأكدوا له بأن الكلب ليس لهم. وقد استغربت قيام الكلب بالعض؛ لأنه بحسب استنتاجي السابق لم يكن يريد العض وإنما يريد تخويف الناس وإبعادهم عن محل الملحمة عندما يكون مغلقًا وفاءً منه لأصحاب المحل لإطعامهم إياه بقايا اللحم كل يوم، وبدليل أنه عندما رأيته في السفر الماضي وهو يهاجم المرأة من الخلف اكتفى بلمس ظهرها بفكه ولم يعضها.

ولما أوضحت لمحمد ما سبق أن استنتجته عن أن الكلب تطوع من نفسه بحراسة محلهم بسبب إطعامه اللحم، وهذا هو سبب مهاجمته لكل من يمر من أمام المحل وهو مغلق، علق محمد قائلاً بأن رقبة الكلب قد أصبحت هكذا وحلق بيديه علامة الضخامة من كثرة أكل اللحم، وقال بأن الكلب كان يرافق ابنته الصغيرة ويحرسها أيضًا بمجرد نزولها من بيتهم في العمارة المقابلة. ثم قال محمد بأنه في الأخير قام الكلب بمهاجمة رجل من الحي فغضب الرجل غضبًا شديدًا وأسرع إلى بيته ليحضر رشاش الكلاشينكوف - لأنه بطبيعة الحال في هذا البلد فإن معظم البيوت لديها رشاشات كلاشينكوف ومسدسات إلا قلة من هذه البيوت التي ليس لديها أي من هذه الأسلحة ومنها بيتي، إلا أن في بيتي سلاحًا هو أقوى وأسرع وأطول مدى من أسلحة الدمار الشامل ألا وهو سلاح الدعاء الذي أوضح مواصفاته رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة»[2] شرارة، أي أسرع من الصاروخ العابر للقارات لأن دعوة المظلوم صاروخ عابر للسماوات. قام الرجل بإحضار رشاش الكلاشينكوف ونزل مسرعًا إلى الكلب وأطلق عليه الرصاص فأرداه قتيلاً. وهكذا أخيرًا تم القضاء على هذا الكلب.

لقد تسبب هذا الكلب لنفسه القتل بالرصاص بسبب أذاه للمارة خاصة عند صلاة الفجر ولم يكف أذاه إلا عن أصحاب الملحمة، ولو كف هذا الكلب أذاه عن الجميع لما فطن له أحد ولظل حيًا بدليل أنه في وقت وجوده كان هناك مجموعة من الكلاب في حي آخر يأتون لزيارته في بعض الأحيان فيلعبون وينبحون بلطف ثم يغادر الزوار إلى حيهم، ولا زالت هذه الكلاب موجودة في الحيم الآخر القريب بعد قتل صاحبهم ولا يفطن لهم أحد أو يفكر بقتلهم لأنهم لا يؤذون أحدًا.

ولأنني كنت أعتقد بأن استنتاجي صحيحًا عن قيام الكلب المقتول بالتطوع لحراسة محل الملحمة وفاءً منه مقابل أكل اللحم؛ فقد أوصيت محمدًا بألا يطعم اللحم مطلقًا لأي كلب حتى لا يتطوع بحراسة المحل وتعود كرة الأذى للمارة من جديد، وأعتقد بأنهم قد أصبحوا حريصين على هذا الأمر بسبب أنهم هم أيضًا تعرضوا للأذى ليس من الكلب نفسه بل من الناس بسبب ما كان يفعله الكلب معهم ومن ثم يحملون المسؤولية لأصحاب الملحمة ظنًا منهم أنهم أصحاب الكلب.

إن ما حدث لهذا الكلب من تسببه لنفسه القتل بالرصاص ليس قاصرًا على عالم الحيوان، بل إننا نرى مثل ذلك كثيرًا في عالم البشر حين يكون هناك أناس شريرون يؤذون الآخرين بأنواع الأذى فيتمنى لهم الناس الموت العاجل لكف أذاهم عن الناس، بل يدعون الله تعالى أن يخلصهم من مثل هؤلاء الأشرار ولو بالقتل أو الإعدام أو السجن المؤبد؛ لأنهم أعضاء فاسدون قد تغلغل التهاب الغرغرينا فيها وصار الأفضل لجسم المجتمع أن تُبتر منه هذه الأعضاء الفاسدة حفاظًا على حياة بقية جسم المجتمع؛ لأن طبيعة البشر السوية لا تحب الأشخاص المؤذين لغيرهم والأشرار والفاحشين بالقول والفعل وتتجنب الاختلاط بهم أو التعامل معهم، تقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: استأذن رجل على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة». فلما دخل آلان له الكلام قلت: يا رسول الله! قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام؟ قال «أي عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه»[3]، وفي رواية: «اتقاء شره».

وقصة هذا الكلب المؤذي تذكرني بقصص كثيرة تنطبق على بعض البشر ولكن أذكر واحدة منها على سبيل المثال لا الحصر: فقد كان هناك رجل شرير مسلح يؤذي هذا وذاك ويفرض الإتاوة على المحال التجارية الواقعة في أحد الأحياء بحجة حراستها، وكانت له أعمال قذرة واعتداءات على الناس بالسلاح، وذات يوم أنتشر خبره بين الناس حيث وجدوا جثته في مقلب القمامة، فقد قام أشخاص بقتله برشاشات الكلاشينكوف ثم سحله ثم حمله ورميه في مقلب القمامة للدلالة على حقيقة حاله ونفسه حيث كان من حثالة البشر ورمي مع القمامة تمامًا كما حدث لهذا الكلب.

وختامًا أسأل الله تعالى أن يكفينا شر الأشرار وأذى الفجار، وان يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن ينفع بنا غيرنا من المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

عدنان الطَرشَة


[1] سورة هود: 56.

[2] صحيح الجامع الصغير وزيادته 118.

[3] صحيح البخاري 5707، وصحيح مسلم 73.