الرئيسة  |  الموقع الإسلامي                                                          

الذين أجرموا

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33)[1].

هناك أصناف من الناس من الكفار أو المنافقين المحسوبين ضمن تعداد المسلمين لا يريدون الإسلام، ولا يريدون الدين ولا المتدينين، ولا يطيقون رؤية المؤمنين، ويكرهون لحاهم وهيئاتهم، ويضحكون عليهم ويسخرون منهم، وإذا مروا بهم احتقروهم، وإذا عادوا إلى بيوتهم اشتغلوا بهم استهزاءً بهم واحتقارًا لهم وإطلاق النكات عليهم، وإذا رأوهم اتهموهم بالضلال!.

لم كل هذا الاشتغال بالمؤمنين والمسلمين وجعلهم نصب أعين الذين أجرموا مع أن هؤلاء المجرمون لم يُبعَثوا مسؤولين عن أقوال المؤمنين وأفعالهم، ولم يُجعلوا رُقباء على غيرهم يحفظون عليهم أعمالهم ويتفقدونها ولا كُلِفوا بذلك؟! ومع كل هذه الأفعال والمشاعر السيئة تجاه المؤمنين يتوهم هؤلاء المجرمون أنهم يحسنون صنعَا وأنهم هم الأفضل هيئةً ومضمونًا وسلوكًا ودينًا بل وأكرم عند الله من أولئك المؤمنين!.

إنها انتكاسة لها أول وليس لها آخر، كل الأمور مقلوبة عند الذين أجرموا، الطالح عندهم صالح وصالح المؤمنين طالح، منافقهم مخلص ومخلص المؤمنين منافق.. الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، والحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان والهداية إلى الحق المبين والصراط المستقيم.

إن المؤمن يصاب بالدهشة والعجب إذا تحدث أو تعامل أو حتى شاهد في التلفاز بعضًا من الذين أجرموا وهم يحاولون إخفاء الشمس بغربال ولا يعترفون بالواقع الحق المبين ويصرون على رأيهم الباطل الخاطئ ولسان حالهم ومقالهم (عنـزة ولو طارت)..! بعضهم يكونوا شبابًا في العشرينات مغمورين لا يعرفهم أحد فتُسنح لهم فرصة في الإعلام فيسفهون ويحتقرون ويسبون ويشتمون علماء مشهورين بالعلم والإيمان والشريعة والفقه، ويستهزئون بالمؤمنين ويضحكون على التزامهم بشعائر الإسلام وفرائضه وسننه ويصفونهم بالتخلف والرجعية والفساد والإرهاب، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يعملون على محاربة المؤمنين ويتآمرون على إقصائهم وطردهم وحرمانهم من أي سلطة أو مكانة مرموقة بل وإخفائهم من الوجود إن أمكنهم ذلك! وقديمًا أصبح فرعون واعظًا ومع فساده وكفره اتهم موسى عليه السلام بالفساد! ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ[2]. أما قوم لوط الماجنين الداعرين أصحاب الفاحشة الكبيرة فقرروا أن الطهارة والتحرج من فعلهم الشنيع هو أمر منكر يستحق الطرد من القرية ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ[3]. وقس على ذلك كيف أن المنافقين وأصحاب الضلال يزعمون أنهم هم المسلمون حقًا ويتهمون العلماء والمؤمنين بالفساد والضلال، والنبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «آية المنافق ثلاث وإن صام وصلَّى وزعم أنه مسلم»[4]. ومكان المنافقين يوم القيامة هو: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا[5].

والأنكى من ذلك أن هؤلاء الحدثاء الأسنان السفهاء الأحلام يريدون أن يقرروا للأمة الإسلامية طريقة حياتهم ومستقبلهم وماذا عليهم أن يأخذوا من الدين وماذا عليهم أن يتركوا من الأمور حتى ولو كانت هذه الأمور من الثوابت الإسلامية، يروجون شكلاً جديدًا للإسلام ويقولون للناس هذا هو الإسلام الصحيح وأن الملتزم به هو المسلم الحقيقي! ويعملون على هدم الثوابت ونقض عرى الإسلام وهو ما أخبر عنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لتنتقضن عرى الاسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقضًا: الحكم. وآخرهن: الصلاة»[6]. فلا تعجب إذا رأيت هؤلاء المنافقون يقيمون الصلاة لأنه لم يأت دورها بعد لتنتقض لأنها آخر العرى، وإنما هم مشغولون بنقض ما قبلها عروة عروة إلى أن يصلوا إليها.

وهنا يتذكر المؤمن ما تنبأ به النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن مثل هؤلاء: «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم»[7]. (حدثاء الأسنان) أي: شباب. (سفهاء الأحلام) أي: عقولهم رديئة. (يقولون من قول خير البرية) أي من خير ما يقوله الناس أو هو القرآن والسنة، وهو ما يقولونه بالفعل حيث لا يخلو كلامهم من ذكر آية قرآنية أو حديث نبوي مع تأكيدهم المتكرر أنهم هم أيضًا مسلمون ليخدعوا الناس بذلك، يقولون كلمة حق ويريدون بها باطلاً، ويحسنون القول ويسيئون الفعل. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ[8]. (يمرقون من الإسلام) أي: يخرجون منه كما يخرج السهم من الصيد المرمي. (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) أي لا يصل إلى قلوبهم لأنهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب، ويقولون ويُظهرون عكس ما يُبطنون.

وبعد ذلك يضرب المؤمن كفًا بكف ويبدأ في الكلام مع نفسه ويتساءل: كيف العمل مع مثل هؤلاء الناس، وكيف يمكن إفهامهم أو إقناعهم بالحق، بل كيف يمكن جعلهم يرون الأمور والأشياء على حقيقتها ويسمون الأشياء بأسمائها؟! فهم لا يستجيبون لنصح ناصح لأنهم يعدون أنفسهم أفضل منه، ولا يستمعون لمن يحاول تبيان حقيقة أفعالهم وأنهم على ضلال وليس على هدى، وأن أفكارهم خاطئة ومبادئهم ضالة؛ لأنهم يظنون أنفسهم هم المهتدون والمؤمنون وهو الضال الكافر. هذا إذا سمحوا له بالدخول بينهم؛ لأنهم لا يجتمعون ولا يأتلفون إلا مع من هو على شاكلتهم والمؤمن بينهم غريب وغير مرغوب بحضوره كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الأرواحُ جُنودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تعارف منها ائتلفَ، وما تناكر منها اختلف»[9] فطوبى لهذا الغريب كما بشره النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء»[10].

ثم يصل المؤمن إلى نتيجة أن الحل مع هؤلاء الناس صعب جدًا إن لم يكن مستحيلاً فهم الذين وصفهم خالقهم تبارك وتعالى بأنهم ﴿الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ ولهذا جاءت بشارة الله عما سيكون عليه وضع الطرفين في الآخرة: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[11]. فهؤلاء المؤمنين الذين لم يصلوا إلى حل مع الذين أجرموا في الدنيا فيقينًا سيعيشون الحل ويستمتعون به في الآخرة عندما يظهر الحق لصالح المؤمنين ويأتي دورهم لكي يضحكوا من الكفار كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، وفوق ذلك أكرم الله المؤمنين بالنظر إليه وهم جالسون على الأرائك، وحرم ذلك على الكفار الذين أجرموا وجازاهم أوفر الجزاء وأتمه وأكمله على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الضحك والاستهزاء والسخرية والاحتقار وغير ذلك من الآثام.

وختامًا أسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين آمنوا، وأن يكفينا شر الذين أجرموا، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن ينفع بنا غيرنا من المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

عدنان الطَرشَة


[1] سورة المطففين: 29-33.

[2] سورة غافر: 26.

[3] سورة النمل: 56.

[4] صحيح مسلم 109.

[5] سورة النساء: 145.

[6] صحيح ابن حبان 15/111.

[7] صحيح البخاري 3/1321.

[8] سورة المنافقون: 4.

[9] صحيح البخاري 3336.

[10] صحيح مسلم 232.

[11] سورة المطففين: 34-36.

تنزيل المقال pdf